ضيوف مو و الأفلام: جاسمين…المسكينة بقلم مي عزام

Blue Jasmine Movie Poster

 

تحذير: المقال التالي و المميز للصحفية الموهوبة مي عزام يحتوي نقاش لحبكة الفيلم

 

جميلة هى ” جاسمين “طلتها تشعرك أنك أمام إيقونة من إيقونات عصر الاستعراض ، امرأة عصرية تعرف كيف تظهر جمالها وتغلفه بأناقة ، ترتدى من من ديور وشانيل ،حقائبها من لو فيتون وهيرميه ومجوهراتها من (جراف) أو (فان كليف)، تحافظ على رشاقتها وجمالها ، عاشت حياة البذخ مع زوجها فى أرقى مناطق نيويورك ، هكذت تبدو ولكن ربما الحقيقة تكون غير ذلك ، فهذه المرأة لاتستطيع أن تصد تحرش رئيسها فى العمل إلا بالهرب والتزام الصمت ، تشعر بالاختناق فى المواقف الصعبة و تبتلع المهدئات لتحتمل الحياة ، تلك المرأة المشوشة مازالت تعيش عصر ظل راجل ولاظل حيطه ، لاتتعامل مع الكمبيوتر، “بلومون” هى أغنيتها المفضلة، تلك الأغنية التى كتبت فى النصف الأول من القرن الماضى ، كلماتها عن الحب الرومانسى والدفء فى حضن الحبيب الأوحد ، الحبيب الذى يبعد شعور الوحدة ويتحول معه القمر الحزين إلى قطعة من الذهب .بالرغم أن جاسمين بطلة فيلم ” بلو جاسمين” فد تذكر البعض ببلانشيت بطلة مسرحية عربة اسمها الرغبة لتنيسى ويليامز حيث يشتركان فى العديد من المصادفات ، إلا أنهما بعيدان عن بعض فى العمق .فجاسمين ليست سوى ضحية لعصر الواقعية الديجاتيلية بكل أمراضه ،فهى أنانية ، استعراضية ، كاذبة ولكنها ايضا ساذجة

 

 

جان كوكتو كان دقيقا حين قال : السينما كتابة بالصور، فبعد مشاهدة فيلم ” بلو جاسمين ” ستجد أن سيناريو وحوار وودى الآن لايقل إبداعا عن أى عمل أدبى راقى ، لقد استطاع أن يحول خياله وموهبته فى الكتابة إلى واقع أكثر حميمية مما تراه فى الحياة اليومية ، فأنت ترى معه التفاصيل التى ربما لاتلاحظها فى حياتك اليومية بعدسة مكبرة ، كل شىء هنا واضح ومبهم فى آن واحد كالشعر يمكن تأويله بعشرات التفسيرات ، يتخلل مسام روح وينفد لعقلك ، ويذكرك بأن الحياة هى المرجع وليس الواقع

 

 

الكتابة عن الافلام بأعتبارها حدوته ليعرف القارىء منها قصة الفيلم ، أختزال للفن السابع ، فالفيلم الجيد مثل اللوحات الفنية ، مهما وصفتها للآخر فلايمكن أن تعوضه عن رؤيتها ، تكتب عن مفاتيح قد تساعد المشاهد فى الاستمتاع بشكل أكبر ، او تفسر لديه بعضا مما يشعر به ويعجز عن التعبير عنه ، فلو أردت أن أختصر فيلم ” بلوجاسمين ” فى سطور فيمكن ذلك سهولة ، فهو عن جاسمين(جانيت سابقا) ، امرأة متنبناة هى وأختها جينجر تزوجت من ثرى محتال يخونها وكان يعيشان ببذخ فى نيويورك ، وعندما اكتشفت الحكومة احتياله سجن وتم مصادرة كل اموال الزوجين وشنق نفسه فى السجن ، وأصبحت جاسمين معدمة وأصيبت بأنهيار عصبى ، وقررت الذهاب لأختها فى سان فرانسيسكو لتعيش معها حتى ترتب أوضاعها ، تنتقد أسلوب اختها فى أختيار الرجال ، وتسعى لمعرفة رجل مناسب يخرجها من محنتها بعدما فشلت فى عملها كمساعدة فى عيادة طبيب ، جاسمين تنجح بقليل من الاكاذيب التجميلية أن تحوذ على اعجاب داويت ثرى يعمل بالسلك الدبلوماسى ويكاد يتزوجها ولكنه يكتشف كذبها ويلومها بشدة فتتركه ، فى ذات الوقت الذى تعود أختها لصديقها تشيلى وترفض نقدها لحياتها وصديقها الذى يطلب من جاسمين الرحيل ، وتخرج جاسمين للشارع لتسوء حالتها النفسية من جديد

 

 

يمكنك وصف الفيلم كما تريد: ميلو دراما ، أو تراجيديا أو كوميديا سوداء ، فلا يهم التصنيف ، فلا تشغل بالك كثيرا بأطار اللوحة المهم هو اللوحة ذاتها ، فى البداية العنوان” بلو جاسمين” ماذا يقصد وودى الآن ؟ وهو الكاتب والمخرج ،فهل يقصد ياسمين المسكينة أم أنه على غرار الأغنية التى كثيرا ما يتردد اسمها على لسان جاسمين ” بلو مون : وبلومان يعنى القمر الحزين وقد يعنى القمر فى حالة استثنائية نادرة ،جاسمين ولدت بأسم آخر وهو جانيت ولكنها عندما كبرت وجدته بعيد عن الشاعرية والأناقة فأختارت لنفسها هذا الأسم ، ونسجت حوله حدودته لتعطى له مذاق مشابه لذوقها ، فهى تردد أنه اختيار والدها لأن الياسمين هو الزهرة المفضلة عند والدتها ،هذا ما كانت تتمناه جانيت ، لكن الواقع أنها فتاة متنبناه عاشت ملتزمة فى بيت والديها لتحوذ على رضاهما على عكس جينجر المتمردة التى تركت المنزل سريعا، عملت بأجتهاد لتغير واقعها ، دخلت الجامعة لتكون شخص مهم ، ولكن حين طرق بابها القدر السعيد تركت الجامعة ، من أجل الفارس الذى جاء ليحملها على حصانه الأبيض لأرض الأحلام ، عاشت حلم سندريلا الذى وقع فى غرامها الأمير وحاولت دائما أن لاتترك لنفسها فرصة لتشك فى هذا الحلم ، فلم تحاول أن تنقب وراء زوجها ، حتى لاتعرف حقيقة فساده الأخلاقى والمالى ، كانت تكتفى وترضى بأجاباته الكاذبة عن مخاوفها ،كانت متورطة معه متواطئة بالصمت لأنها كانت تظن أن حبا يجمعهما، لآخر لحظة كانت تظن أنه يحبها ربما وقع فى الغواية وعلاقات عابرة ، لكن فى النهاية سيعود ليشاركها الحلم والحياة ، ولذلك حين أعترف لها زوجها بأنه علاقته بجليسة الأطفال الشابة ليزيت ليست علاقة عابرة ولكنها حب ، وهو يفكر فى مستقبله معها ، لم تفكر بعقل كما كان متوقع منها ، ولم ترض بحديثه عن تأمين مستقبلها ، فكل ما لديها هو مظاهر للحلم الذى تعيشه ، علاقتها به مرتبطة بذلك الحلم وحين أستيقظت منه تصرفت برعونة وطيش بعيد تماما عن شخصيتها المتزنة المتحفظة وهدمت المعبد ،أبلغت البوليس عن احتياله هي التى لم تحرك ساكنا حين احتال على أختها وزوجها و استولى على جائزة اليانصيب التى كانا يأملان أن تغير حياتهما البائسة ،وبعد سجن زوجها أنهار ابنه دانى الذى كانت تربيه ، حياتها التى بدت قوية ومتينة أنهارت كقصر على الرمال فجأة وبشكل تام ونهائى ، الخط الرفيع الذى يفصل الواقع عن الخيال لم يعد واضح وأختلط الماضى بالحاضر ، تتحدث إلى نفسها فى حضرة الآخرين دون أن تشعر، ،أرادت لنفسها بداية جديدة ولكن أبقت على تفكيرها القديم ، و لم تستوعب الدرس حتى النهاية وهو ما أدركته أثناء حوارها مع داويت حين قالت ” أقع فى نفس الخطأ كل مرة ” فهى مازالت تفكر بنفس الرومانسية الساذجة ،تبحث عن رجل يحقق لها احلامها ،لاتعرف عن الحب سوى أنه السبيل لتحقيق أمنياتها ،و ترفض العلاقات الواقعية العادية مثل علاقة إيدي العامل البسيط ،كما رفضت إعجاب طبيب الأسنان الذى كانت تعمل مساعدة له ، فهما لايمثلان لها صورة فارس الاحلام وهى بالنسبة لهما مجرد امراة يعرفون حقيقتها وشروخ حياتها ونواقصها ، وهى حين تخفى على داويت بعض التفاصيل تعطي لنفسها المبرر ، فهى تماما مثل سندريلا التى استعارت ثوب الساحرة لتحضر الحفل ولولاه ما التفت إليها الأمير ….مسكينة جاسمين ظنت دائما أنها أفضل من أختها جنجر ولكنها فى الحقيقة كانت أكثر منها فشلا ، فى الأختيار والحياة ، فجنجر تعرف على الأقل ماهو الحب الحقيقى ببساطة

 

 

نجح وودى الان أن يجعل من جاسمين شخصية تلعنها مرة وتعطف عليها مرات ،كما نجحت كيت بلانشيت أن تصل فى تجسيدها للدور إلى الحدود القصوى فأستحقت بجدارة أوسكار أحسن ممثلة ، لو فكرت مرة فى جاسمين فلن تجد فى خيالك سوى كيت بلانشيت

مى عزام

ektebly@hotmail.com

 

Advertisements

2 comments on “ضيوف مو و الأفلام: جاسمين…المسكينة بقلم مي عزام

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s